لا تكن منارة

نشرت بموقع السّوري الجديد بتاريخ ١٦ آب ٢٠١٥

رابط المقال الأصلي

معظمنا سمع قصة القبطان الذي كان يبحر بسفينة كبيرة ويرسل إشاراته لجسم صغير اعترض أمامه يطلب منه الإبتعاد ويأتيه الجواب بغرور من الجهة المقابلة أنهم لن يتحركوا من مكانهم مما أثار غضب القبطان الذي كان يظنّ أنه بسفينته الكبيرة قادر على أن يأمر كل من يجوب البحار أن يبتعد عن طريقه. ويستمر المشهد إلى أن يأتيه الجواب: أنا لن أتحرك.. أنا منارة.

القصّة معبّرة ربّما ولكن المشكلة أننا كنا نسمعها من الجهة المقابلة. كنا نستفيد منها أن المبادئ كالمنارات ثابتة لا تتغيّر وبالتالي كانت قدوتنا في هذه القصّة هي المنارة التي تجبر كل جبّار يخوض البحار أن يناور من حولها مهما كبرت سفينته ومهما ازدادت خبرته.

واليوم تأتينا الردود على كل فعل نقوم به أو كل تغيّر يطرأ علينا يمطرها أصحابها رشّاً ودراكاً بين معاتب وبين مغاضب ينهروننا لأننا تغيّرنا ويذكّروننا بأيامنا الخوالي وعاداتنا السابقة وقناعاتنا التي كنّا نتبناها منذ سنين أو ربما منذ عقود. لماذا تغّيّرت.. أين عمر الذي كنا نعرف.. أين أنت من ماضيك.. ماذا دهاك..ماذا اعتراك.. ارجع.. عد أدراجك. وعندما نسألهم إلى ماذا نرجع يأتينا الجواب أن علينا الرجوع إلى منهاج محمد عليه السّلام. فتتذكّر منهاجه وسيرته فيطالعك أول ما يطالعك كلام قومه الذين أخرجوه والذي يكاد يكون نسخة طبق الأصل لكلام هؤلاء الأصحاب الغيورين الذي يريدون الإمساك بك وتطويقك لأن لا تتحرك خطوة واحدة.

لا تفرضوا علينا قيودكم. نحن بغنى عن محبّتكم إذا كانت تلك المحبّة باباً للإساءة وإذا كانت من نوع الحب الذي قتل. أمركم “بالمعروف” إسمه تطفّل. ونهيكم عن “المنكر” اسمه تدخّل في حياة الآخرين. ونصائحكم الفجّة إسمها قلّة دماثة. أياديكم التي تمسك بنا هي كالقيود والمكان الذي تريدون وضعنا فيه هو كالإقامة الجبريّة. إذا كنتم تقفون تستمتعون بقطعة الجبن التي وجدتم آباءكم عليها عاكفين فنحن مضينا نبحث عن غيرها.

المشكلة أن البعض أحبّ المنارة في تلك القصّة وأراد أن يكون مثلهاً ناسياً أنها ترمز للمبدأ وأننا لسنا مبادئ. المبادئ نضعها كي نهتدي بها لا كي نكون مثلها. المبادئ لا تتغّير ولكن نحن نتغّير ونغّير من مبادئنا إذا وجدناها غير صالحة. أنا لست منارة ولا أريد أن أكونها. أنا أريد أن أكون ذلك البحّار الماهر الذي غيّر اتجاهه في اللحظة التي أدرك أنه سيصطدم بالمنارة إذا لم يناور وستتحطم سفينته على ضفاف المبدأ نفسه الذي وضعه ليهتدي فيه. أنا أريد أن أكون ذلك البحّار الذي يبحر من منارة إلى أخرى على طريقه نحو هدفه ولا أريد أن أقضي عمري أطوف في محيط أي منارة. سأتذكر دائماً أن تلك المنارة هي نقطة علّام وليست الهدف.

نعم سأتغيّر وسأتأقلم وسأتماشى مع ظروفي. لست كالسمكة التي إن خرجت من حوضها تموت بل إن خرجت من مكان لآخر سأتعلم أن أعيش فيه وسأكمل دربي. لن أعود إلى ماضيي فهذا ماضي وأن سأبقى ماض ٍ في طريقي إلى المستقبل. إذا أحببتم صورتي وأنا صغير وكرهتم رؤية شعر وجهي ينمو ثم شعري يسقط ثم يشيب فهذه ليست مشكلتي فتلك تبقى صورتي وأنا صغير ولن أبقى عليها ما حييت.

لا تعيدوني إلى الوراء.. وحتّى لو فعلتم، لن تفلحوا في إعادة الزمن.

———

مهداة إلى القبطان مسلّم تسابحجي الذي وصل ضفّة جديدة في سعيه في هذه الحياة والذي أجد من الضرورة أن أعتذر له أنّي حاولت يوماً من الأيام أن أكون أحد الأيادي التي أرادت منعه من التغيير.

 

a-lighthouse-braces-itself-against-the-ocean-in-a-picture

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s