محرقة الأفكار… شعب على الصليب

burning

من المؤكد أن الموت في سوريا أصبح يطرق جميع الأبواب وبعد أن كان ينتقي من ذهب إليه فقط أصبح يختار العالم وهي نائمة أو ذاهبة إلى أعمالها. ربما كنا جميعاً ومنذ اليوم الأول للثورة مؤمنين أن تحقيق هذا أهدفها لن يكون بالمجان ولن يأتي بالهيّن وأن دماء كثيرة ستسيل على طريق الوصول له. كتبت هذه التغريدات على تويتر قبل أسبوعين من بدء الثورة:

التاريخ يكتب الآن والأمم الراغبة بالحرية ستذكر كنبراس في هذه المرحلة هل هناك من يريد إضافة سطر آخر لصفحة المجد هذه؟ 25 شباط عبر تويتر @omarassil

إن من يمنعون الثورات السلمية يجعلون الثورات العنيفة حتمية” الرئيس الأميركي الأسبق كينيدي 27 شباط عبر تويتر @omarassil

الشعب يرفض أنصاف الحلول بعد أن يستعذب طعم الحرية ويرى بوارق النصر 28 شباط عبر تويتر @omarassil

 وجاءني رد من أحدهم أن “التاريخ وصفحات المجد لا تكتب إلا بالدماء فهل أنتم جاهزون لذلك؟”. ربما في أعماقنا كنا جميعاً مدركين أن هناك دماء ستسيل ولكن أصدقكم القول أنني لم أكن أتوقع أن تسفك هذه الكمية من الدماء وكنت ربما أتصور أن النظام سيسقط بعد أول ألفي شهيد. الحقيقة المرّة هي أن ضم أي مؤيد أو صامت للثورة يحتاج المزيد من العذاب والمزيد من الأسى.

هناك أناس تجذبهم بكلامك وهناك أناس يأتوك مع أول صرخة تخرج منك وهناك أناس ينضمون لك مع أول قطرة دم تقدمها في سبيل هدفك، ولكن للأسف هناك أناس لن يأتوا قبل أن يروك ممداً جثة هامدة وآخرون لن يأتوا قبل أن يروا تسامح أبنائك معهم عندما يصبح أبناؤك هم الطرف الأقوى وهناك البعض لن يأتي أبداً.

فكرة العذاب من أجل هدف معين ليست جديدة فهي قديمة قدم الإنسان على وجه هذه المعمورة. كان دائماً قدر ابن آدم أن يقدم روحه ليثبت لأخيه أن أهدافه سامية ولم تكن شخصية.

عيسى عليه السلام في الفكر المسيحي والإسلامي قَبِل العذاب في سبيل أن تسطع وتشرق أفكاره. محمد صلى الله عليه وسلم عانى العذاب سنين طوال في سبيل فكرة اعتنقها. كان الله قادراً أن ينصره من اليوم الأول أو أن يأمره وصحبه أن يأخذوا حقهم بالقوة ولكن لماذا لم يفعل ذلك؟ لأن جمال الفكرة التي تعتنقها يكون بقدر التضحية التي تبذلها من أجلها. لأنه لو لم يتعذب هذا العذاب لما تساءل العرب عن هذه الفكرة التي يعتنقها هؤلاء المستضعفون والتي تمدهم بكل تلك القوة ليضحوا من أجلها

هذا هو حال البشر دائماً. أبو بكر يأتي مع أول كلمة، حمزة يأتي مع أول تضحية ، عمر يأتي مع أول قطرة دم، خالد وعمرو وحدها الأيام والزمن كفيلين أن يأتيا بهما، أبو سفيان لا يأتي إلا بعد أن يرى الخسارة أمام عينيه، سهيل بن عمرو لا يأتي إلا بعد أن يرى تسامح المستضعفين عندما أصبحوا في موضع القوة. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعيها، والحقيقة أيضاً أن رسالة محمد كانت بحاجتهم جميعاً حتى تنتشر. وللأسف نحن في ثورتنا ما زلنا بحاجة الجميع، حتى من يقف بصف القاتل اليوم نحن بحاجته غداً كي نتغلب على القاتل.

إذاً هي متلازمة التضحية والعفو وحدها التي تنشر الأفكار، فعلها يوسف الصديق وفعلها محمد النبي ويجب أن تفعلها كل أمة تؤمن بالنهوض والعدالة والحقوق.

بالتأكيد لا نتكلم عن العفو الآن عن أشخاص يجب أن ينالوا أشد العقاب، ولكن المقصود هي حالة العفو المجتمعية حتى تستمر الحياة في ذلك المجتمع.

بقدر ما تُضرب الأفكار بقدر ما تلمع، وأفضل ما يقدمه أعداء المبادئ لها هو محرقة لمعتنقيها كي تشرق بعدها، وبقدر ما تُقمع الثورات بقدر ما ينجح أبناؤها في بناء مجتمع سليم. أنا لا أقول هذا الكلام لأدافع عن سلمية أو عسكرة ولا أعني فيه أن عليكم أن تتعذبوا أكثر وأنا جالس بعيداً في مأمن. ولكني أقوله مواساة لكل من فقد حبيباً أو أي شيء خلال هذه الأشهر الماضية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s