عادت بلدي

جلست أمام شاشة الكمبيوتر وضغطت على تحديث صفحة الفيسبوك قبل أن أغادر العمل يوم الخميس علي أرى ما طال انتظاره وبالفعل بدأت العبارات تتوافد مبشرة برفع القانون الذي أثقل كواهلنا على مدى نصف قرن من الزمان.
لا أعرف كيف استطاعو رفعه بهذه السهولة وهو الذي نأت بحمله مدن سورية بأكملها ولم تستطع تحمله همم الرجال الأشاوس الذين غادروا بيوتهم ولم يعودوا إليها بسبب أفضال هذا القانون.
ما لبثت وكالات الأنباء أن نقلت تفاصيل الخبر وماذا يعني إلغاء هذا القانون. قرأت بشغف جميع التفاصيل وعندما فرغت من تتويتاتي وتحديثاتي على الفيسبوك أغلقت كمبيوتري وحزمت حقيبتي وخرجت من المكتب لأنهي أسبوعاً طويلاً مليئاً بالشهداء.. حافلاً بالاعتداءات .. حافلاً بالإصلاحات.

استنشقت هواء دمشق الذي كان مختلفاً عن كل المرات التي استنشقته بها في الماضي. أحسست بنسمات الحرية تداعب وجهي وتذكرت دمشق التي غنت لها فيروز .. دمشق التي استلهم منها نزار شعره واستمد منها الطنطاوي كتاباته. تذكرت كل محب لدمشق وتمنيت لو أنهم كانوا أحياء ليستنشقوا هواءها من جديد. هذا الهواء الذي ظل محبوساً طوال الخمسين عاماً الماضية تحت مظلة الطوارئ.

عادت بي الذاكرة لأرى قوات الأمن تقتحم منزلاً لتأخذ منه رجلاً وشى به أحد الموجودين بالمقهى بعد انتقاده للحكومة ولم يعد أهله يعرفون عنه شيئاً حتى هذا اليوم.. تذكرت ذلك الشاب المسيحي الذي أحب ان يطلق لحيته فقام رجلان باقتياده لأقبية المخابرات ليقبع هناك ثلاث سنوات وهم يحققون معه بتهمة انتمائه للإخوان المسلمين.
تذكرت ذلك الأب الذي كان يستيقظ كل يوم في الليل ويذهب إلى المطبخ يحضر لابنه السجين كأس من الليمونادة التي يحبها ويحتاج فيتاميناتها بعد السجن الطويل ويجلس ينتظره عله يأتي في هذا الليل… يموت الأب قبل أن يرى ابنه ولا يعرف عنه إلا أخباراً سمعها من أحد السجناء أنه لايزال على قيد الحياة.
تذكرت وجه الأم التي كانت تنتظر ابنها في المطار على أحر من الجمر… تصل الطيارة ويخرج جميع القادمين دون أن يخرج ابنها قبل أن يأتي أحد المسافرين ليهمس بأذنها خشية أن يسمعه أحد ما ثم تنهار الأم على الأرض لأنهاأدركت أن المجهول سيكون مصير فلذة كبدها بعد أن أوقفه ضابط المطار بسبب توجهاته الشيوعية.
تذكرت تلك العروس التي اعتقل عريسها اليساري بعد أيام قليلة من زواجهما وكيف تمضي لياليها تتحسس ملابسه وتذرف الدموع على تعاسة حظها.

كل ذلك جرى في دمشق الحبيبة وهي تشيح بوجهها طوال ذلك الوقت عن أهلها لأنها لا تملك جواباً لأسئلتهم.. تذكرت قبل سنوات عندما كنت أجلس في حديقة النيربين المشرفة على دمشق وأنا أنظر إلى أجمل مدن الأرض وعيناي لم تستطيعا مقاومة رغبة البكاء فراحت الدموع تخرج خلسه منهما. نعم بكيت لأني رأيت في ذلك الربيع أوراق دمشق تتساقط بدل أن تزهر فالناس أصبحت تحتفل باللاانجاز وماضي دمشق ضيعه حفنة من المنتفعين الذين لم يعطوها حتى دقيقة من وقتهم ليسمعوا صوت بكائها الذي بالكاد يسمع وسط صخب أصوات مغني الخيم.

أفقت من جميع ذكرياتي عندما عاود نسيم دمشق الجديد يداعب وجنتي فوجدتني أحدث نفسي وأقول: لم الرجوع إلى الماضي ولم البكاء على ما جرى إذا كان حاضرنا أفضل ومستقبلنا مشرق أكثر. فبدأت أفكر بالجانب المشرق فكان أول ما مثل أمام عيني صورة أحد المغتربين الذي كان ممنوعاً من العودة إلى وطنه ورأيته يقفز فرحاً بعد سماعه للخبر ويفتح حاسبه ليحجز مكاناً على أول رحلة متوجهة إلى سوريا ليزور أمه المريضة التي لم يرها منذ سنين. تخيلت فرحة ذاك الذي كانت فروع الأمن تضيق عليه وتمنعه من السفر وكيف كان تلقيه لخبر رفع القانون الذي طالما سمع محاميه يذكره كلما طلب منه مخرجاً لمأزقه.
تذكرت الرجل المسن المتقاعد الذي رأيته ينظر لمظاهرة تخرج من المسجد وهو يقول: حلمي قبل أن أموت أن أشارك بإحدى هذه المظاهرات ولكني يا ولدي لست مستعداً أن أتلقى ضربة طائشة من رجال الأمن اللذين يفرقون المتظاهرين بالهراوات، تخيلته فورا ينزل إلى وزارة الداخلية ليطلب موافقة على تنظيم اعتصام مع زملائه المتقاعدين ليطالبوا ببعض حقوقهم المسروقة.
تذكرت صاحب الأرض التي قامت الدولة بالاستيلاء عليها تحت مسمى الطوارئ وأقامت عليها شعبة للتجنيد لم يدخلها من ينظفها منذ بنائها وكيف سيرفع دعوى لاستردادها.

حدثت نفسي أني لن أسمح بعد اليوم لأي كان أن يسرق حقوقي أو أن يصادر حريتي. وسأطلب من أي رجل يدعي أنه أمن أن يرتدي لباسه الرسمي قبل أن يخاطبني بأي كلمة وسأدوس بقدمي كل من يحاول أن يدوس على كرامتي أو يعلي صوته علي دون حق.

رفعت رأسي عالياً وتابعت مسيري وأنا أقول لنفسي: اليوم وفقط اليوم.. عادت بلدي.

إذا كان القانون رفع حقاً فليس هناك ما نخشاه بعد اليوم وأنا على ثقة انو بكرا أحلى.. والله يستر. و رحم الله شهداءنا الذين كانوا سبباً بقدوم الأفضل.

كتبت عشية توقيع الرئيس بشار الأسد لمرسوم رفع حالة الطوارئ وحل محكمة أمن الدولة وسط أنباء عن محاصرة الجيش كلاً من حمص ومعضمية دمشق.

رأي واحد على “عادت بلدي”

  1. كم ذرفنا الموع لاوجاع بلدنا الحبيب …. ولكن نسمات الحرية التي حملها ربيع سوريا ستكون بلسما”وشفاء” للجروح باذن الله

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s